• 24 ساعة

  • هموم متعفنة

    مجلة الطالب

    أراء وكتاب

    الرئيسية | أخبار وجدة | عاصمة الشرق وجدة .. ظلم القدر أم ظلم البشر؟

    عاصمة الشرق وجدة .. ظلم القدر أم ظلم البشر؟

    عاصمة الشرق وجدة .. ظلم القدر أم ظلم البشر؟

    عرفت المدينة الألفية تهميشا وإقصاء ممنهجا لمدة عقود من الزمن، تم وصفها بالعقم وبالمغرب غير النافع رغم موقعها الجغرافي الذي يجعلها واجهة محورية للمملكة وبوابة أوروبا وإفريقيا، تصدت لمختلف أشكال الاستعمار وللمد العثماني الذي توقف في تلمسان، لها تاريخ حافل بالأمجاد، أمجاد تمثلت في ثورة 16 غشت 1953، ومساعدة جنود جيش التحرير الجزائري إلى أن حصلت الجزائر على استقلالها سنة 1962، لها موروث ثقافي وحضاري ومعماري مميز بحكم تفاعل وتمازج الحضارات والثقافات والفن المعماري.

    عرفت أول محكمة عصرية بالمغرب وأول محطة قطار، ونقابة المحامين التي عرفت نقباء فرنسيين وجزائريين ويهود ومغاربة. شهدت ثانويات عتيدة، ثانويات احتضنت أقطابا وأقطابا كثانوية عمر بن عبد العزيز وعبد المؤمن، تميزت منذ 1946 بفريق ذهبي هو المولودية الوجدية التي رغم تقهقرها بسبب سوء التسيير تعتبر شاهدة على عصر ذهبي.

    آزرت الثورة الجزائرية التي ردت الجميل بستار حديدي شل المبادلات التجارية وحرم العائلات من صلة الرحم وشيع جنازة الحلم المغاربي، نقطة حدود صامدة في وجه أعداء الوحدة الترابية، لكن رغم ما تعرضت له من إجحاف عرفت قفزة نوعية منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه سنة 1999، وخاصة منذ الخطاب الملكي المؤرخ في 18/3/2003 الذي أعلن عن إطلاق الأوراش الكبرى بمدينة وجدة، وأصبحت بذلك تسابق الزمن من أجل الوصول إلى ما وصلت اليه المدن الأخرى واستعادة العهد الجميل الذي عرفته مدى التاريخ.

    لكن كان لوجدة أقطاب وأعلام، منهم من رحل إلى دار البقاء وهناك من هرم وشاخ، وهناك من غادر إلى مدن أخرى بعد الشعور باليأس والإحباط وجمود الاستثمار في غياب تام لبرمجة التحفيزات الضريبية، والاكتفاء بالمضاربة العقارية وبناء المساجد وقاعات الحفلات والمقاهي، في غياب تام للمعامل والمصانع والصناعات التحويلية واستثمارات الدولة أمام عجز استثمار الخواص، تنضاف إليها الهواجس الحدودية وخطر الارهاب والهجرة وحرب الجزائر على المغرب بواسطة الحبوب المهلوسة.

    وجدة تعاني، بطالتها هي ضعف بطالة المغرب من 9 إلى 18 في المائة، أربعة في المائة فقط من معدل المقاولات، لا وجود للمعامل، إغلاق جميع المناجم، شباب معطل مقهور لا يغادر كراسي المقاهي، ولم يكن لنداءاتنا المتكررة من جدوى في مجال مراجعة وإيجاد تحفيزات ضريبية كما وقع في مدن أخرى، المقاولات والشركات القليلة المحتضرة تختنق تحت وطأة المراجعات الضريبية المتكررة واللامتناهية عكس ما يحدث في المدن الكبرى، تجار وفلاحون مواجهون بمساطر الشيكات بدون رصيد، وعجز المدينين الذين أوقعت الأبناك رهونا على أملاكهم لتسديد مستحقات الدين، الأمر الذي حذا بالأبناك إلى سلوك مسطرة الانذار العقاري وبيع العقار في المزاد العلني، الشيء الذي لا يتم بسبب عدم حضور المزايدين نظرا لنقص السيولة، خصوصا بعد انهيار الاقتصاد غير المهيكل.

    وجدة المدينة الألفية، ومعها أقاليم الشرق، كانت تعتبر منطقة تأديب للقضاة والمسؤولين، فكانوا يجمعون الثروات من المدينة ثم يرحلون إلى المركز من أجل التمتع بما تم تجميعه من أملاك ومنقولات، فظلت تعاني وتعاني بشموخ وإباء، ورغم سنوات الاقصاء والتهميش ورغم سنوات الحيف والجفاء، وجدة لم تتخل عن تشبثها بالوطن، بتاريخ المقاومة الذي سجل بمداد الفخر استماتة الجهة من أجل الحصول على الاستقلال، والتصدي لجميع أشكال الاستعمار.

    لم تشهد احتجاجاتها ومطالبها إشارة إلى تعصب أو تفرقة أو منازعة أو أي جدل يلمح بظلم الوطن أو يدينه، لا تفرق بين مواطني الوطن، سواء تعلق الأمر بالسوسي أو التازي أو الشلح أو الريفي أو العائلات الفاسية المتعاطية للتجارة منذ الاستعمار، أو الجزائري بحكم قرب مدن مغنية وندرومة وتلمسان.

    عاشت البعد المغاربي والبعد الإقليمي، كما تأقلمت مع بعدها عن المركز وعانت من سنوات كان التمركز ضاربا أطنابه، كما أن الخريطة القضائية كانت مجحفة في حقها؛ لذلك سجلتُ انتفاضات في وجه وزير العدل السابق لما تحدث عن حذف المحاكم الإدارية والتجارية بمدينة وجدة.

    مطالبات المدينة بالطريق السيار ومستشفيات وكليات ومراكز تجارية… كانت ربما هي من المدن الأخيرة التي حصلت عليها، لكن ظلت ثوابت الوطن ورموزه منزهة عن أي نقاش أو جدل، ظل الوطن تاجا فوق رأس وجدة، يلمع ويصدح بحب وطن أبيّ وقوي بثوابته وقيمه، يتعالى عن التدخلات الخارجية والأجنبية بإرادة وعزم أبنائه، أبناء وطن لا يهمهم فساد بعض المنحرفين الذين أمهلهم القدر حاليا والحقوا ضررا بالأمة نتيجة ثرائهم الفاحش ونهب المال العام والسطو على الثروات وتهميش بعض الجهات لانعدام لوبيات تدفع بها إلى الأمام.

    لكن صحوة الشعب والتفافه وتشبته بثوابته المحددة في الدستور ستتحداهم وتجعلهم في خبر كان، على اعتبار أن الأمور المسلم بها وثوابت الأمة التي ترفع من شأن المواطن وتحفظ كرامته وهويته وتاريخه وأمجاده ونضالات أجداده وأصله وفصله، لا يجب أن تختلط بمطالب اجتماعية أو اقتصادية أو احتجاجات وتنديدات بسياسات عمومية أو اجحافات واختلالات وتجاوزات تستلزم نوابا للأمة يتمتعون بحس المواطنة من أجل مساءلة الحكومة حول المشاريع والمنجزات وتتبعها بحزم وعزم.

    بالإضافة إلى مجتمع مدني حان الوقت أن يتخلى عن مطالبه المتجلية فقط في الحصول على الدعم المالي، لينخرط في صحوة جماعية تخدم المصلحة العامة وتنهض بالحقوق والحريات وتحث على القيام بالواجبات وتلقين السلوك المواطن ومقاومة التسيب الوظيفي وتشجيع الإبداع والابتكار؛ لأن سوء الأحوال وتكاثر الأهوال الذي يؤدي أحيانا إلى تنمر الذئاب، يعتبر مسؤولية مشتركة بين الحاكم والمحكوم.

    وجدة، تعلم أنه مهما كبرت التحديات، فإن الإرادة جديرة بالتغلب عليها، في احترام تام للوطن وثوابته وسيادته، وطن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم بمنطق الحقوق والواجبات المواطنة، تلك أمور تستدعي النضال من أجل إشعاعها، غير ذلك من ركوب على سيادة الوطن وخلق أبطال وهميين، فتلك مسألة لا تنطلي على المواطن القح الأصيل، أحب من أحب وكره من كره!

    *برلمانية سابقا


    الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي وجدة أوريجينال

    تعليقات الزوّار

    أترك تعليق

    من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.