• 24 ساعة

  • هموم متعفنة

    مجلة الطالب

    أراء وكتاب

    الرئيسية | أخبار وطنية | محددات “الكتائب الإلكترونية”

    محددات “الكتائب الإلكترونية”

    منتصر حمادة

    منذ سنوات وبعض الأقلام المغربية، على قلتها، تحذر من الانزلاقات الصادرة عما أصبح يُصطلح عليه بـ”الجيوش الإلكترونية”، أو “الكتائب الإلكترونية” التابعة للمشاريع الإسلامية الحركية، في نسختها السياسية والدعوية على الخصوص.

    بل إن مجرد الحديث عن “الجيوش الإلكترونية”، أو “الكتائب الإلكترونية”في مجالنا التداولي المغربي، أصبح يُحيل بشكل تلقائي عما يصدر عن هذه الكتائب بالذات، وذلك لاعتبارين اثنين على الأقل:

    ــ أولهما أن الحضور الإسلامي الحركي في مواقع التواصل الاجتماعي أكبر بكثير مقارنة مع حضور باقي الفاعلين السياسيين والجمعويين.

    ــ وثانيهما أن ما يصدر عن هذه الكتائب في مواقع التواصل الاجتماعي، لا يبعث على الاطمئنان، ولا يؤسس لأجواء الثقة مع المجتمع، بله الدولة.

    سوف نتطرق في المقال القادم بحول الله لبعض مقتضيات الاعتبار الثاني، وفي انتظار ذلك، نتوقف في هذه المقالة عند بعض المحددات اللصيقة بالجهاز المفاهيمي لهذه “الكتائب الإلكترونية”، مع الإشارة الضرورية إلى أن بعض مضامين هذه المقالة تطرقنا إليها بالتفصيل في دراسة ضمن عمل جماعي صدر مؤخراً عن مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، ومقره الرباط.

    في معرض توظيف الثورة الرقمية خدمة للاستحقاق الانتخابي، وبالتالي خدمة للمشروع الإسلامي الحركي، هناك أربع مُحددات على الأقل، حاضرة بقوة في الجهاز المفاهيمي للمشروع الإسلامي الحركي، والحديث هنا عن نموذج حزب العدالة والتنمية، والتنظيمات السياسية والمدنية التابعة له أو المحسوبة عليه، ونصطلح عليها هنا “المَجَرّة الإسلامية الحركية” [Galaxie islamiste]

    أ ـ مُحدّد الأسلمة: مشروع  الأسلمة، أو مُحدّد الأسلمة قاسم مشترك في الأفق الاستراتيجي للعمل الإسلامي الحركي، سواء تعلق الأمر بالحديث عن حركة إسلامية دعوية، من قبيل جماعات “الدعوة والتبليغ”، أو حركات إسلامية سياسية، من قبيل حزب “العدالة والتنمية” في نسخته المغربية، أو حركات إسلامية “جهادية”، من قبيل تنظيم “القاعدة” أو تنظيم “داعش”، بصرف النظر عن مسارات هذا المشروع الإسلامي الحركي، ونقصد بالأسلمة هنا، “أسلمة المجتمع والنظام والدولة”.

    ب ـ مُحدّد الاختراق: في سياق تحقيق أحلام مشروع الحركات الإسلامية (“دولة الخلافة”، تطبيق الشريعة”، تطليق مجتمعات “الجاهلية”.. إلخ)، وعلى غرار أي مشروع فكراني/ إيديولوجي، يتم اللجوء وتوظيف كل ما هو صالح للتوظيف خدمة للمشروع، من قبيل تأسيس منظمات أهمية مُوازية لمنظمات المجتمع المدني في الساحة، اختراق مؤسسات الدولة، تفعيل قاعدة “ملأ المكان الشاغر” في شتى القطاعات والفضاءات، وغيرها من المبادرات التي تندرج إجمالاً في مشروع الأسلمة، وهذا ما تقوم به الحركات الإسلامية عبر بوابة الاختراق، سواء، تعلق الأمر بالطبقة العليا للمجتمع أو الطبقة المتوسطة أو الطبعة السفلى.

    ج ـ مُحدّد المؤامرة: حضور هاجس المؤامرة لدى الحركات الإسلامية، يُسقطنا فيما قد نصطلح عليه “أسلمة المؤامرة”، حيث تصبح الإشكالية متأزمة درجة أعلى مقارنة مع التأزم اللصيق أساساً بعقل المؤامرة، أياً كانت مرجعيته، لأن الإشكال الكبير التي تسقط فيه “أسلمة المؤامرة” أنها تضيف نكهات من “القداسة” على عقل مأزوم أساساً، ولكنها لا تعترف بذلك لأن الوعي بالتأزم أمر لا مُفكر فيه، أو لا يمكن تصوره Impensé.

    ليس هذا مقام التوقف عند أسباب الحضور الطاغي لمُحدّد المؤامرة، أو قُلْ “عقيدة المؤامرة”، عند الفاعل الإسلامي الحركي، ولكن مهم جداً استحضار هذا المُحدّد لقراءة تفاعل أعضاء المَجَرة مع أحداث الساحة، سواء تعلق الأمر بالقيادات أو القواعد، لدرجة يتم فيها اختزال الإصلاح فقط في مشروع المَجَرّة الإسلامية الحركية دون سواها، مقابل اتهام باقي الفرقاء بالفساد أو بعدم أهلية وقابلية القيام بالإصلاح، ومجالنا التداولي يُعج بلائحة عريضة من الأمثلة في هذا السياق، ويكفي استحضار ما صدر عن هذه “الكتائب” أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة، حيث تعرضت أغلب الأحزاب السياسية لحملات رقمية خطيرة، بل وصل الأمر إلى التلويح بالخروج للشارع في حالة عدم فوز الحزب الإسلامي بالرتبة الأولى، وغيرها من الإشارات التي قوضت كلياً من أجواء الثقة التي كانت تروج قبل وبعد الاستحقاق الانتخابي.

    د ـ مُحدّد التقية: هناك مُحدّد آخر تشتغل به الحركات الإسلامية في فضاءات شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو مُحدّد لا زال بعيداً عن التناول البحثي بله الإعلامي في مجالنا التداولي الإسلامي. يتعلق الأمر بمُحدّد التقية، أو الازدواجية التي تُميز أداء بعض الفاعلين الإسلاميين، من باب تفادي تعميم المحدد على الظاهرة.

    الخوض المؤرق في هذا المُحدد، يقتضي التذكير بالمُعطى التالي الذي يصب في تقويض كل مشاريع التقية، بصرف النظر عن المرجعية الفكرانية/ الإيديولوجية التي تنهل منها.

    معلوم أن مواقع التواصل الاجتماعي ـ موقع “فيسبوك” نموذجاً ـ تُخول لمتصفحيها إمكانية اللجوء إلى تطبيقات تقنية للاطلاع على لائحة المشاركة والتغريدات والتعليقات، ولعل تأمل مضامين هذه اللائحة، عند هذا المتصفح أو ذلك، كفيل بأخذ نظرة أولية عن طبيعة الانتماء الفكراني [إذا كان الأمر يتعلق بالفاعلين الإسلاميين نموذجاً]، بله الحديث عن مضامين النقاشات و”الدردشات” التي تتم “على الخاص” والتي عملياً تتم بعيداً عن أعين مُجمل المتصفحين، ولكن من الناحية التقنيةً، تتم تحت مراقبة ومتابعة وتسجيل إدارة مواقع التواصل الاجتماعي، وبمقتضى هذه الجُزئية التقنية، يتضح أنه من المُستحيل ممارسة التقية في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لو اعتقد كل متصفح يراهن على التقية، إمكانية فعل ذلك.

    ثمة سؤال جامع لصيق بانتصار المجرة الإسلامية سالفة الذكر لهذه المُحددات الأربع: ما هي الآثار العملية لتبني هذه المُحددات، على علاقتهم مع المجتمع والدولة معا؟

    منتصر حمادة


    الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي وجدة أوريجينال

    تعليقات الزوّار

    أترك تعليق

    من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.